محمود توفيق محمد سعد
105
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وهذا لا ينقص مقدار " الغزالي " فإنّ كلّ أحد يؤخذ من كلامه ويردّ ، كما قال الإمام " مالك " رضي اللّه عنهم ، وعزاه " الغزالي " نفسه إلى " ابن عبّاس " - رضي اللّه عنهما - وقال الإمام " الشافعيّ " رضي اللّه عنهم : " صنفت هذه الكتب وما ألوت فيها جهدا ، وإني لأعلم أنّ فيها الخطأ ؛ لأنّ اللّه سبحانه وتعالى يقول : وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( النساء : من الآية 82 ) « 1 » ويقول عند تفسيره قول اللّه عزّ وجلّ : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ( الطلاق : 12 ) " فإنّ من قدر على إيجاد ذرّة من العدم قدر على إيجاد ما هو دونها ومثلها وفوقها إلى ما لا نهاية له ؛ لأنه لا فرق في ذلك بين قليل ولا كثير جليل أو حقير . . . ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ . . . ( الملك : من الآية 3 ) وإيّاك أن تلتفت إلى من قال : إنّه ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم ؛ فإنّه مذهب فلسفيّ خبيت ، والآية نصّ في إبطاله ، وإن نسبه بعض الملحدين إلى " الغزاليّ " فإنّي لا أشك في أنّه مدسوس عليه ! ! ! ، فإنّه مذهب فلسفيّ خبيث بشهادة " الغزالىّ " كما بينت في كتابي : " تهديم الأركان من ليس في الإمكان أبدع مما كان " وكتابي : " دلالة البرهان على أنّ في الإمكان أبدع مما كان " وكتابي : " إطباق الأغلال في أعناق الضلال " ومع كونه مذهب الفلاسفة أخذه أكفر المارقين " ابن عربي " وأودعه " فصوصه " وغير ذلك من كتبه ، واستند فيه في بعضها إلى " الغزاليّ " إتقانا لمكره - أعاذنا اللّه من شره - و " الغزاليّ " بريء منه بشهادة ما وجد من عقائده في " الإحياء " وغيره " « 2 » وقوله عند تفسيره قول اللّه سبحانه وتعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( التين : 4 ) " وصيغة " افعل " لا تدلّ على ما قاله الزنادقة وإن عزي ذلك إلى بعض الأكابر من قولهم : ليس في الإمكان أبدع مما كان ؛ لأنّ الدرجة الواحدة
--> ( 1 ) - نظم الدرر : 20 / 107 ( 2 ) - نظم الدرر : 20 / 177